صديق الحسيني القنوجي البخاري
267
فتح البيان في مقاصد القرآن
يحكمون عليك بهذا من غير فرق بين مجتهد ومقلد ، وإن قلت بل قضيت بما قاله إمامي ، ولا تدري أحق هو أم باطل كما هو شأن كل مقلد على وجه الأرض ، فأنت بإقرارك هذا أحد رجلين إما قضيت بالحق ولا تعلم أنه الحق أو قضيت بغير الحق لأن ذلك الحكم الذي حكمت به هو لا يخلو من أحد الأمرين إما أن يكون حقا وإما أن يكون غير حق ، وعلى كلا التقديرين فأنت من قضاة النار بنص الصادق المختار . وهذا ما أظن يتردد فيه أحد من أهل الفهم لأمرين : أحدهما : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد جعل القضاة ثلاثة وبين صفة كل واحد منهم ببيان يفهمه المقصر والكامل ، والعالم والجاهل : الثاني : أن المقلد لا يدعي أنه يعلم ما هو حق من كلام إمامه وما هو باطل ، بل يقر على نفسه أنه يقبل قول الغير ولا يطالبه بحجة ، وأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته ، فأفاد هذا أنه حكم بشيء لا يدري ما هو ، فإن وافق الحق فهو قضى بالحق ولا يدري أنه الحق ، وإن لم يوافق الحق فهو قضى بغير الحق ، وهذان هما القاضيان اللذان في النار ، فالقاضي المقلد على كل حال يتقلب في نار جهنم كما قال قائل . خذا بطن هرشى أو قفاها فإنما * كلا جانبي هرشى لهن طريق « 1 » وكما تقول العرب ليس في الشر خيار ، ولقد خاب وخسر من لا ينجو على كل حال من النار . فيا أيها القاضي المقلد ، ما الذي أوقعك في هذه الورطة وألجأك إلى هذه العهدة التي صرت فيها على كل حال من أهل النار إذا دمت على قضائك ولم تتب فإن أهل المعاصي والبطالة على اختلاف أنواعهم ، هم أرجى للّه منك وأخوف له لأنهم على عزم التوبة والإقلاع ، ويلومون أنفسهم على ما فرط منها بخلاف هذا القاضي المسكين فإنه ربما دعا اللّه في خلواته وبعد صلواته أن يديم عليه تلك العهدة ويحرسها عن الزوال حتى لا يتمكنوا من فصله ولا يقدروا على عزله ، وقد يبذل في استمراره على ذلك نفائس الأموال ويدفع الرشا والبراطيل لمن كان له في أمره مدخل ، فيجمع بهذا الافتعال بين خسران الدنيا والآخرة وتسمح نفسه بهما جميعا في حصول ذلك القضاء فيشتري بهما النار ولا يخرج عن هذه الأوصاف إلا القليل النادر . والآيات الكريمة في هذا المبنى والأحاديث الصحيحة في هذا المعنى كثيرة جدا ، ولو لم تكن من الزواجر عن هذا إلا هذه الآية وهذا الحديث المتقدم لكفت ،
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لعقيل بن علفة في معجم البلدان ( هرش ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( هرش ) ، ومقاييس اللغة 1 / 147 ، 6 / 47 ، ومجمل اللغة 4 / 475 ، وتاج العروس ( هرش ) ، ( أنف ) .